العيني
164
عمدة القاري
( الأسئلة والأجوبة ) . منها ما قيل : لِمَ قيد بالغنم ؟ وأجيب : بأن هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربا والشبهات المكروهة ، وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة ، وقد رعاها الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، مع أنها سهلة الانقياد خفيفة المؤونة كثيرة النفع . ومنها ما قيل : لِمَ قيد الاتباع بالمواضع الخالية مثل شعف الجبال ونحوها ؟ وأجيب : بأنها أسلم غالباً من المعادلات المؤدية إلى الكدورات . ومنها ما قيل : ما وجه كون الغنم خير مال المسلم ؟ وأجيب : بأنه لما كان فيها الجمع بين الرفق والربح وصيانة الدين ، كانت خير الأموال التي يعنى بها المسلم ، ومنها ما قيل : لِمَ قيد الاتباع المذكور بقوله : ( يفر بدينه ) من الفتن وأجيب : للإشعار بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصاماً للدين لا للأمر الدنيوي كطلب كثرة العلف وقلة أطماع الناس فيه . ومنها ما قيل : كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة ، وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة ، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد والجمعة ، وأهل الآفاق لوقوف عرفة ؟ وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم ، ولهذا قال الفقهاء : يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية إلى البلد لاعكسهما ؛ وأجيب : بأن ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه في المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء ، وأما اتباع الشعف والمقاطر وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات . 13 ( ( باب قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بالله ، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى * ( ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) * ) ) أي : هذا باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ، والإضافة ههنا متعينة . وقوله : ( أنا أعلمكم بالله ) مقول القول ، كذا في رواية أبي ذر ، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه ، وفي رواية الأصيلي : أعرفكم ، فعن قريب يأتي الفرق بين المعرفة والعلم . وجه المناسبة بين البابين : أن الباب الأول يبين فيه أن من الدين الفرار من الفتن ، وهذا لا يكون إلاَّ على قدر قوة دين الرجل حيث يحفظ دينه ويعتزل الناس خوفاً من الفتن ، وقوة الدين تدل على قوة المعرفة بالله تعالى ، فكلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه ، ومن هذا الباب يبين أن أعرف الناس بالله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم هو أقوى ديناً من الكل . وبقي الكلام ههنا في ثلاثة مواضع . الأول : أن هذا كتاب الإيمان ، فما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان . والثاني : ما مناسبة قوله : ( وأن المعرفة فعل القلب ) بما قبله ، ولا تعلق للحديث به أصلاً ولا دلالة له عليه لا عقلاً ولا وضعاً . والثالث : ما مناسبة ذكر قوله تعالى : * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * ( البقرة : 225 ) ههنا فلا تعلق له بالإيمان لأنه في الإيمان ، ولا تعلق له بالباب أيضاً . قلت : أما وجه الأول : فهو أن المعرفة بالله تعالى والعلم به من الإيمان ، فحينئذٍ دخل في كتاب الإيمان ، وفيه رد على الكرامية لأنهم يقولون : إن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وزعموا أن المنافق مؤمن في الظاهر وكافر في السريرة ، فيثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة ، وأشار البخاري بالرد عليهم : بأن الإيمان ، هو أو بعضه ، فعل القلب بالحديث المذكور . وأما وجه الثاني : فهو أن الصحابة رضي الله عنهم ، لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : لا يتهيأ لكم لأني أعلمكم ، والعلم من جملة الأفعال ، بل من أشرفها لأنه عمل القلب ، فناسب قوله : ( وأن المعرفة فعل القلب ) بما قبله . وأما وجه الثالث : فهو أنه أراد أن يستدل بالآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم ، ولا بد من انضمام العقيدة إليه ، ولا شك أن الاعتقاد فعل القلب فهو مناسب لقوله : ( وأن المعرفة فعل القلب ) . ولا يضر استدلاله كون مورد الآية في الأيمان بالفتح ، لأن مدار العلم فيها أيضاً على عمل القلب ، فنبه البخاري ههنا على شيئين : أحدهما : الرد على الكرامية الذي هو متفق عليه بالوجه الذي ذكرنا والآخر : الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه على مقتضى مذهبه ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أعلمكم بالله ) يدل ظاهراً على أن الناس متفاوتون في معرفة الله تعالى ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلمهم ، فإذا كان كذلك يكون الإيمان قابلاً للزيادة والنقصان . قوله : ( وأن المعرفة ) بفتح الهمزة عطفاً على القول لا على المقول ، وإلاَّ لكان تكراراً ، إذ المقول وما عطف عليه حكمهما واحد ، ويجوز كسر : إن ويكون كلاماً مستأنفاً ، قوله : ( لقول الله تعالى ) استدلال